جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية
جميع المنشورات
أوراق السياسات PDF وثيقة

دور الأمم المتحدة ودول العالم في توفير الحماية للنساء الفلسطينيات ومحاسبة دولة الاحتلال

ملخص عن هذا المنشور

مقدمة:
لازالت المرأة في الأرض الفلسطينية تواجه انتهاكاتٍ جسيمة وممنهجة ترتقي إلى جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية، الموصوفة في القانون الدولي الإنساني والجنائي، والتي تقترفها دولة الاحتلال الإسرائيلي بدعم لا محدود من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وتحرك دولي خجول، وعجز أجهزة الأمم المتحدة عن توفير الحماية لهن، أو ضمان عدم إفلات مقترفي تلك الجرائم الخطرة من العقاب.

بدورها، تعاني المرأة الفلسطينية في قطاع غزة أوضاعًا كارثية وغير مسبوقة جراء العدوان الذي تشنه دولة الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، والذي تقترف فيه جرائم ممنهجة ترتقي لجرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية.  وقد نزحت النساء برفقة عائلاتهن، مرات عديدة، ووصلت لأكثر من عشر مرات، دون أموال أو متعلقات شخصية أو إنسانية، جراء اقتراف قوات الاحتلال لجرائم التهجير القسري والاضطهاد، ومع ذلك بقيت النساء هن المتحملات لمسئولية رعاية أفراد أسرهن وخاصة الأطفال.  

وكنتيجة للعدوان المستمر منذ السابع من تشرين أول من العام 2023، ارتقى من الفلسطينيين والفلسطينيات ما يزيد عن (45.400) شهيدا وشهيدة، ومن بينم (13.320) طفلًا وطفلةً، و(7.215) امرأة، فيما لايزال أكثر من (10.000) آخرين مفقودين/ مفقودات، إما تحت الأنقاض، أو تبخرت أجسادهم/ أجسادهن، أو مختفين/ مختفيات قسريًا.  وبحسب التقديرات الأولية لوزارة الصحة الفلسطينية، فقد أصيب أكثر من (107.950) مواطن ومواطنة، يعاني غالبيتهم من الصدمات الشديدة، نقص الأدوية، عاش الكثير منهم/ منهنّ تجربة الخضوع لعمليات جراحية دون تخدير طبي، أو الحصول على مضادات حيوية ما بعد الجراحات.  أما شمال قطاع غزة، فهو محاصر كليًا منذ الخامس من تشرين الأول 2024، لم تصله مساعدات إنسانية، أو إمدادات طبية، وتجري فيه قوات الاحتلال تطهيرًا عرقيًا، طال جميع سكانه، فيما يعاني جميع سكان القطاع من انعدام الأمن الغذائي والوصول إلى إمدادات المياه الصالحة للشرب.[1] وفق المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، فإن مليوني شخص يواجهون جوعًا حادًا في أنحاء قطاع غزة.[2]

وتعاني المرأة الفلسطينية في قطاع غزة بشكل يومي وتُحارب من آلات الحرب الإسرائيلية المختلفة، تبدأ رحلة نهارها القاسية، إعالة الأطفال وكبار السن، البحث عن معونات إغاثية، البحث عن الحطب للطهي والتدفئة وغسل الملابس، في بيئة انعدمت فيها مصادر الطاقة.  وبالنسبة لهن، فإن الوصول إلى الرعاية الصحية، إن وجدت، عملية محفوفة بالمخاطر، مما أسفر عن زيادة "الولادات المبتسرة" وارتفاع عدد وفيات الأمهات.[3]

بدوره، حذر ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين، نيستور أوموهانغي، من أن أكثر من (17.000) امرأة حامل على حافة المجاعة، بينما تعيش (11.000) امرأة حامل أخرى بالفعل ظروفاً تشبه المجاعة، مضيفًا بأن سوء التغذية يعوق الرضاعة الطبيعية لثلاثة أرباع الأمهات الجدد في وقت لا يتوفر فيه حليب الأطفال.  وأوضح أوموهانغي في إحاطة صحفية بتاريخ 10 تشرين الأول 2024، أن اكتظاظ الملاجئ ونقص أدوات النظافة، فاقم محنة النساء في قطاع غزة، حيث تفتقر ما يقارب من (700.000) امرأة وفتاة للمنتجات الصحية للتعامل مع الدورة الشهرية، مضيفًا بأن حوالي (49.000) امرأة حامل حاليًا، ومن المتوقع أن تلد (4.000) منهن قريبًا، في بيئة فاقمت فيها ندرة الرعاية قبل الولادة وبعدها، من مخاطر الإجهاض والوفيات أثناء الوضع.[4]

وفي شهادة لها أمام الصحافيين والصحافيات، قالت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين، ماريس غيمون، عن زيارتها الأخيرة لقطاع غزة: "زرتُ غزة أكثر من 50 مرة، ولكن هذه المرة لم يُهيئني أي شيء لما شهدته من دمار شامل وانعدام للإنسانية. ما شهدته يتخطى أسوأ مخاوفي تجاه النساء والفتيات اللاتي عملت معهن لسنوات طويلة."[5]

بدورهم، حذر خبراء الأمم المتحدة مرارًا، مجتمعين ومنفردين، من جرائم دولة الاحتلال الإسرائيلي المقترفة في قطاع غزة، وإفلاتها من العقاب، كان آخرها بتاريخ 11 كانون الأول2024، حيث دعا أربعة من مقرري/ مقررات الأمم المتحدة المستقلين/ المستقلات في مجال حقوق الإنسان، المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة واستعادة الثقة في نظام العدالة الدولي عبر التخلي عن "المعايير المزدوجة والتفسيرات المتطرفة" في تطبيق المعايير التي تحكم سير الحروب. ففي المؤتمر الصحفي المشترك دعت مقررة الأمم المتحدة لوضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، إلى "وقف نقل الأسلحة بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إسرائيل، ومراجعة اعتماد عضويتها في الأمم المتحدة لإظهار عدم التسامح مع الإفلات من العقاب."[6]

ولم تكن المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس، بمعزل عن الانتهاكات الجسيمة لحقوقها، ابتداءً من اخضاع دولة الاحتلال الإسرائيلي النساء الفلسطينيات لجريمتين ضد الإنسانية هما الفصل العنصري والاضطهاد، وفقًا لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"[7]، وقد أيدت محكمة العدل الدولية الجريمة الأولى في رأيها الاستشاري، ومحكمة الجنايات الدولية في مذكرتي توقيف كل من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع، يوؤاف غالانت. وهما جريمتان تضاف إلى جرائم العقاب الجماعي التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، والتي تكون فيها النساء الفلسطينيات أكثر عرضة للخطر والهشاشة، كجرائم هدم المنازل، مصادرة الأراضي لصالح الاستيطان أو بادعاءات عسكرية، تجريف الأراضي، تقييد الحق في حرية التنقل ونشر حوالي 600 حاجز دائم في الضفة الغربية.[8]  ومنذ السابع من تشرين الأول، صعدت قوات الاحتلال والمستوطنين تحت حمايتها، جرائمها بحق المدنيين الفلسطينيين، حيث استشهدت (15) امرأة، و(05) طفلات، فيما أصيبت (000) أخريات بجراح مختلفة خلال العام 2024 فقط.  فيما أدت هجمات المستوطنين على التجمعات السكانية الفلسطينية إلى تهجير سكان (07) تجمعات سكانية بالكامل، و(20) تجمعًا بشكل جزئي، ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) فقد سجل العام 2024 أعلى معدل تهجير للفلسطينيين في نحو عقدين من الزمن، فقد عمدت قوات الاحتلال، وفي أحيان كثيرة خلال توفيرها الحماية للمستوطنين خلال تنفيذ اعتداءاتهم، على تهجير ما يقارب (4250) فلسطينيًا، وتدمير (1760) مبنىً، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين إلى (1400) اعتداء في مختلف أنحاء الضفة الغربية بما فيها القدس.[9]

ولم تكن المرأة الريفية بمعزل عن تلك الانتهاكات الممنهجة، فمنذ مطلع العام 2024، سجلت (OCHA) دمر المستوطنون ما يقارب (26100) شجرة مثمرة في أنحاء الضفة الغربية، هذا عدا عن الاعتداءات التي طالت الممتلكات السكنية والزراعية الفلسطينية.[10]

وفي القدس، تصاعدت أعمال هدم منازل الفلسطينيين، أو إجبار أصحابها على هدمها، ووفقًا لذات المصدر، ومنذ مطلع العام 2024، أجبرت سلطات الاحتلال أصحاب (65%) من المباني المهددة بالهدم على هدمها بأنفسهم وعلى نفقتهم، (140 من أصل 215 مبنى) على يد أصحابها عقب إصدار الأوامر بهدمها، وذلك بالمقارنة مع (42%) على مدار السنوات الخمس السابقة.[11]

وفي ظل الموت والوجع، القهر والبؤس، اليأس والكوارث الإنسانية المتراكمة على كاهلها، خذلت الأمم المتحدة، وتحديدًا مجلس الأمن، والمجتمع الدولي المرأة الفلسطينية، خاصة في مجالي توفير الحماية لحقوق الإنسان المتأصلة فيها ولكرامتها البشرية، والمساءلة عن الجرائم المقترفة بحقها منذ بداية العدوان.

تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الدور المُلزم للأمم المتحدة والمجتمع الدولي في توفير الحماية للمرأة الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومساءلة دولة الاحتلال عن تلك الجرائم الدولية الموثقة، بموجب المواثيق الدولية، والدور الفعلي لها جراء المعايير المزدوجة وتسييس القانون الدولي، وعليه ستقسم الورقة إلى مقدمة، وأربعة أجزاء رئيسة، بتطرق الجزء الأول إلى أسس حماية ومحاسبة مقترفي الانتهاكات بحق النساء في القانون الدولي؛ ومن ثم إلى: الدور الفعلي للأمم المتحدة في حماية النساء الفلسطينيات، ومحاسبة دولة الاحتلال؛ أما الجزء الثالث فيسلط الضوء على الدور الفعلي للمجتمع الدولي في حماية النساء الفلسطينيات، ومحاسبة دولة الاحتلال؛ ويتطرق الجزء الرابع إلى تقييم التزام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بقرار مجلس الأمن (1325) في سياق واقع المرأة الفلسطينية، وتنتهي الورقة إلى مجموعة من الخلاصات والتوصيات.