جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية
جميع المنشورات
التقارير PDF وثيقة

دراسة تحليلية نقدية من منظور نسوي: بعد ربع قرن، قرار مجلس الأمن 1325 في السياق الفلسطيني- بين الواقع والطموح

ملخص عن هذا المنشور

في سياقٍ فلسطيني معقد، تتداخل أدوار الفاعلين الرئيسيين من مجتمع  مدني، وأحزاب سياسية، وحكومة في محاولة لتنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن (WPSA) وفق قرار مجلس الأمن 1325. رغم التقدم المحدود الذي أحرزته هذه الجهات، فإن التحديات البنيوية، لا سيما الاحتلال الإسرائيلي والانقسام الداخلي، تهدد بتحويل هذه الجهود إلى مجرد خطابٍ دون ممارسة.

المجتمع المدني: قوة الضغط والابتكار

لعب المجتمع المدني الفلسطيني دورا محوريا في تعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن، من خلال توثيق انتهاكات الاحتلال ضد النساء، مثل الاعتقالات التعسفية والعنف الجنسي، وتقديمها إلى المحافل الدولية. نجحت منظمات مثل اتحاد لجان العمل النسائي ومركز المرأة للإرشاد القانوني(WCLAC)  وجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، في إصدار تقارير "الظل" التي فضحت الفجوة بين الالتزامات الرسمية والتطبيق الفعلي، كما قدمت هذه المؤسسات خدمات مباشرة، مثل إنشاء مراكز إيواء للناجيات من العنف، وتدريب النساء على مهارات القيادة والتفاوض. ومع ذلك، تواجه هذه المؤسسات تحديات فريدة، أبرزها الاعتماد على التمويل الدولي المشروط، والذي غالبا ما يلزمها بتجنب الربط بين انتهاكات الاحتلال والعنف الجندري. بالإضافة إلى ذلك، تعاني الناشطات الفلسطينيات والمدافعات عن حقوق الإنسان من قيود السفر المفروضة من قبل سلطات الاحتلال، واستهداف المراكز النسوية بالهدم أو الاقتحام. ولا يمكن تجاهل المقاومة المجتمعية، حيث تواجه حملات التوعية باتهامات بـ"تدمير القيم" عند المطالبة بإصلاحات جذرية.

الأحزاب السياسية: بين الخطاب الرمزي والواقع المعقد

أظهرت الأحزاب السياسية، سواءفتح وحماس أو الأحزاب الأخرى ، التزامًا ظاهريا بأجندة WPSA عبر سياساتٍ رمزية مثل تبني نظام الحصص (الكوتا) لضمان تمثيل النساء في الهيئات القيادية. على سبيل المثال، خصصت حركة فتح 20% من مقاعد المجلس الثوري للنساء، بينما روجت حماس لدور المرأة في "المقاومة الشعبية". ومع ذلك، تظل المشاركة الفعلية للنساء في صنع القرار خاصة في المجالات الأمنية والعسكرية هامشية. ففي حركة فتح، لا تشغل النساء سوى نسبة متواضعة من مقاعد اللجنة المركزية. التحدي الأبرز هنا هو هيمنة النخب الذكورية التاريخية، التي تتحكم في آليات الترشيح وتهمش الكفاءات النسوية. كما يعيق الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة تطوير رؤية موحدة لتمكين المرأة، حيث تنفذ كل حكومة برامج منفصلة دون تنسيق. والأخطر هو "التوظيف السياسوي" لمشاركة النساء، التي تستخدم أحيانا كأداة لكسب الشرعية الدولية دون منحهن صلاحيات فعلية.

الحكومة: بين الالتزامات الدولية وغياب السيادة

سعت الحكومة الفلسطينية، عبر وزارة شؤون المرأة وشركائها الدوليين، إلى ترجمة التزاماتها الدولية إلى سياسات ملموسة، مثل إطلاق "الخطة الوطنية لتنفيذ قرار 1325 (2021-2024)"، والتي هدفت إلى زيادة تمثيل النساء في عمليات السلام بنسبة 30%. كما نجحت في تدريب مئات النساء على مهارات الوساطة، وإنشاء وحدات للنوع الاجتماعي في بعض الوزارات. ومع ذلك، تُواجه الحكومة تحديات وجودية، أبرزها الاحتلال الإسرائيلي الذي يُقيّد حركتها في قطاع غزة والضفة الغربية، ويفرض حصارًا خانقًا يعرقل وصول المساعدات الإنسانية. يضاف إلى ذلك انعدام السيطرة على المعابر الحدودية، وفقدان الشرعية في فطاع غزة الخاضع لسيطرة حماس. وعلى الصعيد التشريعي، تعثرت جهود إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، بسبب معارضة كتل محافظة في المجلس التشريعي السابق، ما يعكس تناقضًا بين الخطاب التقدمي والواقع المجتمعي.

التحديات المشتركة: الاحتلال الإسرائيلي والثقافة الأبوية

رغم اختلاف الأدوار، تواجه الجهات الثلاث تحديات مشتركة تعكس تعقيد السياق الفلسطيني. يأتي الاحتلال الإسرائيلي في صدارة هذه التحديات، حيث يستخدم العنف الممنهج ضد النساء كأداة قمع، عبر هدم المنازل والاعتقالات التعسفية. كما يفاقم الانقسام الداخلي بين فتح وحماس من تفتيت الجهود، حيث تُنفذ برامج متعارضة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يُمكن إغفال الثقافة الأبوية التي تُرسخ الصور النمطية لأدوار النساء، وتُقاوم إشراكهن في "الشؤون الأمنية" أو مواقع صنع القرار.

الطريق إلى الأمام: شراكات استراتيجية وضغط دولي

تحقيق تقدم حقيقي في أجندة المرأة والسلام والأمن، يتطلب تعزيز شراكة ثلاثية بين المجتمع المدني، والأحزاب، والحكومة. يجب أن تتبنى هذه الشراكة إصلاحات تشريعية جريئة، مثل إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، وربط التمويل الحكومي بتحقيق أهداف الكوتا النسائية. على الصعيد الدولي، يجب الضغط لفرض عقوبات على إسرائيل لانتهاكها بنود قرار 1325، ومطالبة المانحين بربط الدعم بمعايير الشفافية. أخيرا، لا بد من تمكين القاعدة الشعبية عبر حملات توعوية تستهدف الرجال والشباب، وإشراك النساء في تصميم السياسات الأمنية، كخطوة نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب.

رغم الصعوبات، تبقى الإرادة النسوية الفلسطينية قوة دافعة للتغيير. النجاح مرهون بتحويل الخطاب إلى فعل، عبر شراكات تعترف بأن تحرير المرأة ليس ترفًا، بل شرطًا جوهريًا لتحرير الأرض وبناء سلام عادل.