مدى فاعلية تدخلات منظمات المجتمع المدني في دعم قضايا النساء في فلسطين: بين واقع الدعم والاحتياجات والسياسات المطلوبة
ملخص عن هذا المنشور
الملخص التنفيذي
تعمل منظمات المجتمع المدني النسوية في فلسطين ضمن سياق استثنائي ومعقّد، يتداخل فيه الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي، والفراغ التشريعي، والبيئة الاجتماعية المحافظة، مع هشاشة اقتصادية مزمنة وحالات طوارئ متكررة. ورغم تدفق التمويل الدولي لبرامج النوع الاجتماعي وتمكين النساء على مدار عقود، فإن التحسن النوعي والمستدام في أوضاع النساء الفلسطينيات، لا يزال محدودًا.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن وجود برامج ممولة لا يعني بالضرورة تحقيق أثر تحويلي، ما لم تكن التدخلات منسجمة مع السياق المحلي، ومرتكزة على مقاربة حقوقية شاملة، ومدعومة بأنماط تمويل وسياسات عامة تعزز الاستدامة والاستقلالية والمساءلة.
السياق البنيوي الحاكم:
تواجه المؤسسات النسوية ثلاث طبقات من الضغط البنيوي:
- الاحتلال الإسرائيلي الذي يقيّد الفضاء المدني، ويصعّد القيود على الحركة والوصول، ويعيد توجيه العمل النسوي من مسارات تنموية وحقوقية إلى استجابات إغاثية طارئة.
- الانقسام السياسي والشلل التشريعي الذي أدى إلى تعطّل المجلس التشريعي، وتأخر إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، وازدواجية قانونية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
- البيئة الاجتماعية المحافظة التي تنتج مقاومة للتغيير الجندري، وتغذي خطابًا تحريضيًا يحدّ من قدرة النساء على الإفصاح وطلب الحماية.
في هذا السياق، يُعاد إنتاج العنف والتهميش بصورة بنيوية، ما يحدّ من قدرة التدخلات الجزئية على تحقيق تغيير مستدام.
أبرز النتائج:
- مكافحة العنف المبني على النوع الاجتماعي:توسعت خدمات الحماية والإسناد، إلا أن غياب إطار قانوني نافذ واستمرار إنتاج العنف في سياق سياسي واقتصادي هش يحوّل التدخلات إلى إدارة حالات بدل ضمان مسارات عدالة مكتملة.
- التمكين الاقتصادي: مشاريع التمويل الصغير والتدريب المهني حسّنت بعض المؤشرات الفردية، لكنها لم تُحدث تحولًا بنيويًا في موقع النساء الاقتصادي، في ظل اقتصاد مقيد بالاحتلال ومعدلات مشاركة منخفضة في سوق العمل.
- المشاركة السياسية: ساهم نظام الكوتا في رفع التمثيل العددي للنساء، إلا أن وصولهن إلى مواقع التأثير الفعلي في صنع القرار ما يزال محدودًا بسبب عوائق بنيوية وثقافة سياسية ذكورية.
- أنماط التمويل: هيمنة التمويل قصير الأمد المشروط بمؤشرات كمية سريعة، وندرة التمويل المرن والمؤسسي، تحدّ من التخطيط طويل الأمد، وتعيد إنتاج تدخلات مجتزأة وغير مستدامة.
الفجوة الجوهرية:
توجد فجوة واضحة بين أولويات النساء الفلسطينيات – المتمثلة في الأمان، والحماية القانونية، والاستقرار الاقتصادي، والوصول إلى العدالة والخدمات الأساسية – وبين طبيعة التدخلات الممولة التي تميل إلى أنشطة تدريبية وتوعوية قصيرة الأمد قابلة للقياس السريع، دون معالجة الجذور البنيوية للعنف والتهميش.
التوصيات السياساتية:
- على مستوى الحكومة الفلسطينية:
- إقرار قانون حماية الأسرة من العنف وتحديث القوانين ذات الصلة.
- توطين اتفاقية سيداو في التشريعات الوطنية.
- إدماج منظور النوع الاجتماعي في الموازنة العامة وتخصيص موارد وطنية مستدامة.
- على مستوى الجهات المانحة والمجتمع الدولي:
- التحول إلى التمويل المؤسسي المرن ومتعدد السنوات.
- دعم التعافي المبكر المستجيب للنوع الاجتماعي، خاصة في قطاع غزة.
- تبني شراكات قائمة على الثقة وتكييف النماذج مع الخصوصية الفلسطينية.
- على مستوى مؤسسات المجتمع المدني:
- تنويع مصادر التمويل وتعزيز التمويل المجتمعي المحلي.
- إعادة التوازن بين العمل الخدماتي والعمل الحركي/الحقوقي.
- تبني مقاربة تقاطعية وإشراك الرجال والفتيان كشركاء في التغيير.
الخلاصة
إن دعم قضايا النساء في فلسطين لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري والسياسي والاقتصادي الأوسع. فاستدامة الأثر تتطلب تحولًا في نموذج العمل المدني من الاستجابة للأزمات إلى بناء سياسات وتحولات بنيوية قائمة على السيادة والاستقلالية والتمويل المستدام والمساءلة. حيث أن العدالة الجندرية في فلسطين ليست مسألة برامج منفصلة، بل جزء من مسار تحرري شامل يربط بين الكرامة والمساواة والحرية.